أبو علي سينا

334

الإشارات والتنبيهات ( شرح نصير الدين الطوسي وشرح شرح الرازي ) ( نشر الكتاب )

النمط الثامن في البهجة والسعادة - البهجة السرور والنضرة والسعادة ما يقابل الشقاوة والمراد منهما الحالة التي تكون أو تحصل لذوي الخير والكمال - من جهة الخير والكمال ( 1 ) وهم وتنبيه [ في أن اللذات الباطنية هي أقوى من اللذات الظاهرية ] إنه قد سبق إلى الأوهام العامية - أن اللذات القوية المستعلية [ 1 ] هي الحسية - وأن ما عداها لذات ضعيفة - وكلها خيالات غير حقيقية - وقد يمكن أن ينبه من جملتهم من له تمييز ما - فيقال له أليس ألذ ما تصفونه من هذا القبيل - هو المنكوحات والمطعومات - وأمور تجري مجراها - وأنتم تعلمون أن المتمكن من غلبة ما - ولو في أمر خسيس كالشطرنج والنرد - قد يعرض له مطعوم ومنكوح فيرفضه - لما يعتاضه من لذة الغلبة الوهمية - وقد يعرض مطعوم ومنكوح لطالب العفة والرئاسة - مع صحبة جسمه في صحة حشمه - فينفض اليد منهما مراعاة للحشمة - فتكون مراعاة الحشمة آثر وألذ لا محالة هناك - من المنكوح والمطعوم - وإذا عرض للكرام من الناس الالتذاذ بإنعام - يصيبون موضعه - آثروه على الالتذاذ بمشتهى حيواني متنافس فيه - وآثروا فيه غيرهم على أنفسهم - مسرعين إلى الإنعام به - وكذلك فإن كبير النفس يستصغر الجوع والعطش - عند المحافظة على ماء الوجه - ويستحقر هول الموت ومفاجأة العطب - عند مناجزة المبارزين - وربما اقتحم الواحد على عدد دهم - ممتطيا ظهر الخطر لما يتوقعه من لذة الحمد - ولو بعد الموت كان ذلك يصل إليه وهو ميت - فقد بان أن اللذات الباطنة مستعلية على اللذات الحسية - وليس ذلك في العاقل فقط - بل وفي العجم من الحيوانات - فإن من كلاب الصيد ما يقتنص على الجوع ثم يمسكه

--> [ 1 ] قوله « النمط الثامن : أن اللذات القوية المستعلية » لما كان اللذة ادراك الملايم والادراك اما حسى أو عقلي كان اللذة على قسمين أيضا : حسية ، وعقلية . واللذة الحسية اما ظاهرة متعلقة بالحواس الظاهرة ، واما باطنة يتعلق بالوهم والخيال : كالرجاء والشوق والتصورات الشهوية والغضبية . فاللذات ثلاث في ثلاث مراتب : فمرتبة اللذة الحسية الباطنة أقوى من الطاهرة لأنها آثر عند العقلاء ، ومرتبة اللذة العقلية الصرفة أقوى منهما جميعا فان اللذة تتفاوت بحسب تفاوت الادراك وتفاوت القوى المدركة فان القوة المدركة ما كانت في نفسها اشرف وأقوى يكون لذتها أتم لان لذة العين الصحيحة من جمال الحبيب أقوى من لذة العين المريضة ، وكذلك الادراك ما كان أقوى يكون